Loading...

يرجع اهتمام المفكرين الإسلاميين بالغرب إلى تاريخ قديم لم يكن فيه مصطلـح غرب-بمعناه الإيديولوجي- قد ظهر بعد، فقد عني الرحالون المسلمون ممن زاروا ديار الغرب بنقل معلومات عنه، مثل أسامة بن منقذ (488-584) الذي رصد بعضا من أوضاع الفرنجة ووصف سلوكهم وأحوالهم في كتابه الاعتبار بشكل ينم عن وعي بهذا الآخر وأهمية تعريف المسلمين بأحواله وثقافته .
ويأتي الشروع في الأزمنة الحديثة والاضطرار للتعامل مع الآخر ليهيئ للمسلمين نُخَبِهم وعامتهم واقعا جديدا لم يألفوه في السابق. هذا الواقع الذي حمل غريبا كثيرا كان يملي عليهم الالتفات والانتباه جهة الطارئ الجديد للتعرف عليه والتعامل معه.
وقد سجل عهد محمد علي باشا إبان القرن التاسع عشر حدث إرسال الوفود والطلاب إلى أوربا لدراسة المدنية الحديثة. فكان اسم رفاعة الطهطاوي من أبرز الذين نقلوا صورة الغرب إلى العالم الإسلامي وذلك في ثنايا مؤلفه المعروف "تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز". ثم تتالت المحاولات في هذا السياق التعريفي الذي اختلطت فيه انطباعات الإعجاب بغيرها من الأحاسيس الغريبة تجاه العالم الحديث. إلا أن تسارع الأحداث السياسية سيسفر عن تأسيس علاقات متوترة مع الغرب نظرا لتدخله العسكري في البلاد الإسلامية واجتهاده في تسريع وتيرة الدراسات الاستشراقية التي انكبت على تراث المسلمين وواقعهم درسا وتحليلا، فكان أن استدعى التدخل الغربي في عالم المسلمين ردود فعل دفاعية ظهرت في صد هجوم المستعمر حربيا والرد عليه فكريا وأدبيا.
ولقد كانت بداية القرن العشرين وأواسطه مسرحا زمانيا لهذه العلاقة العدائية حيث ظهرت كتابات كثيرة من قبل باحثين اختصوا في الرد على الشبهات الاستشراقية التي طالت الأصول الإسلامية والإنسان المسلم بصفة عامة. وقليل من هاته المحاولات من تجاوز وسيلة الردود واقتحم على الغرب عالمه كي يسائله عن تاريخه وقضاياه كي يقرأه بلغة غير التي قرأ نفسه بها. ومن أبرز الذين عبدوا الطريق في هذا الاتجاه محمد إقبال في الهند و بديع الزمان سعيد النورسي في تركيا وسيد قطب في مصر ومالك بن نبي في الجزائر...
وبعد هؤلاء ظهرت فئة من الباحثين المتميزين في خوض غمار الثقافة الغربية في تاريخها وواقعها وجعلها موضوعا للبحث مثل باقر الصدر ومحمد البهي ورشدي فكار وحسن حنفي الذي شرع في التقعيد لهذا الاهتمام بمؤلفه المعروف "مقدمة في علم الاستغراب" حيث دعا فيه إلى " فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارسة إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارسة"1.
وعلى ما في هذا الاجتهاد من مجهود، فقد استقبله بعض الباحثين بكثير من السخرية والرفض2، في الوقت الذي أيده وزكاه صنف آخر من الباحثين مثل مازن مطبقاني المشرف على مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق3.
أما على مستوى المؤسسات والمعاهد فيلاحظ أن الغرب في فكرنا المعاصر قد استأثر باهتمام خاص في نطاق ما يسمى بتحرير المعرفة أو أسلمتها الذي رفع شعاره المعهد العالمي للفكر الإسلامي من خلال عقد ندوات كثيرة ونشر دراسات تهدف إلى بناء منهجية جديدة للتعامل مع الغرب4.
إذا ما استعرضنا ما كتب عن الغرب منذ اللقاءات الأولى إلى يومنا هذا لن نعثر على باحث صب كل طاقته وعنايته في ترتيب علاقة المسلمين بالغرب مثل ما فعل مالك بن نبي في مؤلفاته الكثيرة التي جاءت تحت عنوان: مشكلات الحضارة، وهي بمثابة إجابة عن سؤال: لماذا يعيش المسلمون خارج الحضارة؟. إن اهتمامه وتقصيه في البحث عن العلل الكامنة وراء الوضع الذي يعيشه العالم الإسلامي هو نتيجة مباشرة لشعوره بالأزمة التي يمر بها مجتمعه وبمسؤوليته تجاه ذلك.
لم يكن مالك بن نبي الوحيد الذي تناول هذه القضية كما سبقت الإشارة إلى ذلك وإنما كان الوحيد الذي فهم موقعنا من الغرب وموقع الغرب منا. فقد ربط بين التحضر الإسلامي وبين حل المشكلات التي تواجه عالم المسلمين بمنطق رياضي إذ جعل الأول رهينا بالثانية. فلا حديث عن تحضر بدون حل للمشكلات الاجتماعية الضاغطة، وبالتالي حل هذه الأخيرة متوقف على معرفة علمية وإدراك واع بحقيقة الغرب وحجمه لأن أغلب معضلاتنا الحضارية والثقافية آت من علاقتنا المختلة بالغرب الناتجة عن جهل بتاريخه وواقعه.
لا ينكر مالك بن نبي أن الغرب يمثل ظاهرة العصر الحضارية وأنه واقع تاريخي على المسلم أن يعرف كيف يعايشه لكن الذي لا يقبله مالك هو أن يغيب عن المسلم ما يمثله الغرب في واقعه فينظر إليه باعتباره قدوة ويرجع إليهباعتباره مصدرا في الوقت الذي ينبغي أن يجعله موضوعا ضمن بحثه ودرسه يتأمل في علله وأسبابه وينظر إلى نتائجه وأحواله.


شارك :