Loading...

إن الحديث عن مرحلة ما بعد مالك بن نبي الفكرة قد غدا ضرورة فكرية وحاجة معرفية ملحة2 في هذه المرحلة، وهذه الدعوة بالدرجة الأولى ترتبط باستثمار فعلي لأفكاره في إطار زمني مفارق للذي أنتج فيه أفكاره، فالاستثمار يعني بشكل عام تشغيل الرأسمال إما ضمن موقع بِكر وإما ضمن موقع قد تمّ العمل عليه سابقا لكن لم يثمر، وهنا بالذات نعني باستثمار الرأسمال الفكري البنّابي (نسبة إلى مالك بن نبي) ضمن مرحلة زمنية لم يحيا داخلها بمعنى أنها (مرحلة بِكر)، وبالتالي لم يتطرّق إليها لبلورة أفكار خاصة بها وصياغة مفاهيم عامة حولها.

وقد يتم الإعتراض على هذا الطرح بأن المفاهيم البنّابية الكبرى مازالت حية يعيشها واقعنا الآن وأهمها (فكرة القابلية للإستعمار)، فنحن في العالم الإسلامي والثالث عموما مازلنا نعيش القابلية للإستعمار.

لكن وفي ردنا نضيف بأننا نعيش أكثر من القابلية للإستعمار ؛ بمعنى أن القابلية للإستعمار قد شهدت واقعيا مظاهر مغايرة للتي صاغها به مالك ؛ وهذا يعني أن القابلية قد تغير مضمونها ؛ وإذا كانت القابلية للإستعمار قد تغيّر مضمونها فإن ذلك يعني أن المرحلة التي جاءت بعد المرحلة البنابية (كشخص وكفكرة معا، أما من الناحية الشخصية فإن البنابية لم تفقد ثقلها بمجرد وفاته بل أن ثقلها استمر إلى غاية حدوث متغيرات واقعية نفسية اجتماعية وسياسية عالمية من الوزن الثقيل، أما البنابية كفكرة فهي أيضا لم تفقد ثقلها إلاّ عند ظهور متغيرات معرفية وعلمية نوعية حاولت مقاربة المتغيرات الواقعية) تحتاج إلى فكرة تعمّق من فكرة القابلية للإستعمار أو تعيد قراءتها في ظروف مغايرة لظروف نشأتها، والأمر سيان سواء أتغيرت الأوضاع باتجاه سلبي أو العكس، فالتغير الإجتماعي ليس لازمة إنسانية تتصل بالإرادة الإنسانية بل هي لازمة زمنية تتصل بعوالم الأمر والإرادة والمشيئة الإلهية لكنها لا تلغي الإنسان ولا دوره بل تترك له مجال الإختيار، وعلى كل حال فإن الفكرة البنّابية ليست وحيا منزّلا من السماء وإنما صياغة مرحلية للوحي الإلهي سواء كان ذلك عن طريق الإشراق أو الإستلهام من القرآن.

وهو ما يحيلنا إلى مفهوم تاريخانية الأفكار فهي من هذا المنظور تشير إلى مستويين في الأفكار مستوى خاضع للظروف التاريخية لنشأتها وهو المستوى السطحي المرتبط بالظروف الواقعية والفكرية الراهنة له ومستوى غير خاضع لها وهو المستوى الباطني للأفكار والتي تتصل حتما بالنزوع الميتافيزيقي لمنتجها ومعلوم أن الجانب الميتافيزيقي هو نزوع نحو اللامنتهي وبالتالي فإن المستوى الباطني للأفكار يرتبط من الناحية الدنيوية بالرؤية الحضارية وفلسفة الوجود لدى منتجها كما يرتبط من الناحية الأخروية بالخلود وفلسفة ما بعد الوجود، وهذه الحقيقة هي حقيقة مطلقة سواء أقر بها منتج الأفكار أو لم يقر، ومنه فإن الرؤية القيمية للأفكار والخضوع الباطني لقيم الخير والشر والحق والباطل بما هي رؤية دينية أو غير دينية هي حقيقة أكيدة أيضا، ويبقى لنا هنا أن نقدم حكما قيميا هو أن الأفكار الأكثر صلاحية هي تلك التي يقر منتجها بالإرتباط الفطري للإنسان بالجانب الميتافيزيقي، وهو الأمر الذي يتيح لمنتج الأفكار بأن يكون أكثر علمية وموضوعية، وعليه فإن ماهية الأفكار الخالدة والتي لا ترتبط بالتاريخانية ( بمعنى لا ترتهن بالظروف الزمانية والمكانية ) هي أفكار لا تقرأ نصوصا مباشرة بل يتم اكتشافها في النصوص على شكل دلالات ما بعدية للدلالات المباشرة لمدلولات الكلمات والنصوص، ويشترط فيها إقرار منتجها بالحقيقة الميتافيزيقية في تمظهرها الديني وهو ما ظهر جليا في فكر إبن نبي.

فالإرتباط بالجانب السطحي لأفكار إبن نبي المتمثل في الدوران في فلك أفكاره التي صاغها فإن ذلك يبقى من قبيل البنابية الإجترارية التي ترتبط بالشخص حتى دون أن تعي نفسها، وأيضا حتى وهي تنادي بالخروج من عالم الأشخاص كما فعل مالك، والدعوة إلى بناء عالم الأفكار كما دعا هو نفسه أيضا؛ إن ذلك لا يمنعها من الوقوع في آبائية إبن نبي الفكرية، فقراءة مؤلفات إبن نبي والوقوف عندها شيء وقراءته للمواصلة على دربه شيء آخر تماما.

أما من الناحية التفصيلية فإن اعتراض ثان ممكن الورود هو أن معادلته الحضارة التي وضعها ضمن كتاب " شروط النهضة " هي معادلة صحيحة بكل المقاييس العلمية والمعرفية المعاصرة : الحضارة = إنسان + تراب + وقت نجيب، نعم القانون صحيح ولا يمكن أن ينقض لكن يمكن أن يعمّق على غرار ما فعله الفيلسوف الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد كأحد المؤسسين الرئيسيين للمرحلة ما بعد البنابية في عنونته الفلسفية لكتاب العالمية الإسلامية الثانية (جدلية الغيب والطبيعة والإنسان)، فلو أجرينا مقارنة بسيطة بين المقولتين لاكتشفنا أن الفرق يكمن في العمق، بغض النظر عما إذا كان مقولة الحاج حمد مقتبسة مباشرة من إبن نبي أم لا، وعلى كل حال لم يرد إسم مالك بن نبي ضمن الطبعة الأولى لكتاب العالمية أما الطبعة الثانية فقد ورد مرة واحدة وبشكل عابر، فالعالمية الإسلامية الثانية وهي مرحلة حضارية مستقبلية مفترضة أكثر تحديدا من مصطلح الحضارة خاصة وقد وردت في كتاب شروط النهضة بشكل مطلق ودون تخصيص وأوكد إجرائية وارتباطا بالواقع الذي يعالجه الحاج حمد، أما العناصر المكوّنة للحضارة فيمكن المقابلة بينها كالآتي : الإنسان = الإنسان، التراب = الطبيعة، الزمن = الغيب، فمصطلحات الحاج حمد أكثر تحديدا إضافة إلى وضعه إياها في إطار جدلي بينما إبن نبي وضعها في صيغة الجمع مضيفا إليها الفكرة الدينية كعنصر مفعِّل يمثل الجانب الميتافيزيقي في الحضارة على أن عنصر الزمن هو عنصر يمكن اعتباره ( واسطة بين الغيب والطبيعة ) فلا هو بالغيبي الصرف ولا هو بالموضعي الصرف أيضا، وهو ما اجتهد في تبيينه وتوضيحه الحاج حمد ضمن مناقشاته المستفيضة لمفهوم الزمن والمكان.

إذن من زاوية الإبداع البسيط ( والبسيط هنا هو ما يضاد المركّب ) والجدة المفهومية لا فرق بين الرجلين في هذه الإشكالية تحديدا، لكن من زاوية الإبداع التركيبي فإن الحاج حمد بدا أكثر تركيبية كما هو واضح أعلاه.

كما أن ما بعد البنابية لا تعني فقط طرق طروحات جديدة لم يسبق إليها إبن نبي بل إننا نقصد بها أكثر من ذلك ؛ بأن تعمّق طروحاته ومقولاته تحليلا وتركيبا ونقدا وتجاوزا، فالمرحلة المعرفية الراهنة هي مرحلة تشييد وبناء الكليات والهيكل المنهجي العام وهي مرحلة تالية للمرحلة المعرفية الأولى التي عنيت بوضع الأسس الشاملة والكبرى، لتأتي مرحلة ثالثة نبشر بها بإذن الله هي بناء الكليات المنهجية الفرعية وتحديدا هي بناء النماذج المعرفية داخل التخصصات العلمية.

وكنموذج محدد لذلك نأخذ بين أيدينا كتاب الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن "سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" لنقرأه على ضوء ما كتبه مالك في شروط النهضة.
فمالك ضمّن كتابه "شروط النهضة" البعد الأخلاقي بشكل بسيط وعابر ولم يتوقف عنده كثيرا، بحيث جاء عنصرا مكونا لتوجيه الثقافة إضافة إلى المنطق الجمالي والبعد العملي، إذ يكتب الباحث محمد الشاويش في ذلك ما يلي : "وتوجيه الثقافة يعني توجيه الأخلاق لتكوين الصلات الإجتماعية وهذه الصلات يبعثها الدين أصلا"، وهذا ما يعني ارتباط الأخلاق بالدين، وهي القضية التي كرس لها طه عبد الرحمن بداية مساهمته في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، فأكد أولا على تبعية الأخلاق للدين ومنه التأكيد على ارتباط الدين بالإنسان وكنتيجة لذلك أصالة العنصر الإخلاقي في الإنسان، ومضى بعد ذلك طه ليشق طريقا وعرا وشاقا ولكن بثقة وجدارة في نقد الموروث التراثي الأخلاقي في الإسلام وكذا للرؤية الحداثية الغربية للأخلاق، لينتهي إلى إبداع نظري لدرجة أخلاقية راقية أسماها " الأخلاق المؤيدة "، ليعرّج بعد ذلك إلى محاولة تحديد أخلاقي للهوية الإنسانية المستقبلية ومنتهيا إلى الهم المشترك بينه وبين الإنشغال البنابي في توجيه عملي لتجديد الأخلاق في الإسلام ومنه إلى تجديد الفكر الديني.
كما أنّ الحديث عن مرحلة ما بعد بنّابية ليس من قبيل التقليد للحداثة الغربية التي عرفت ما بعديات إنقلابية، فعلى غرار ما بعديات عديدة أهمها :
1- الحداثة ـ ما بعد الحداثة ( التي تشكل انقلابا مفاهيميا على الحداثة نفسها )
2- ماركس ـ المدرسة النقدية ( التي أعادت قراءت ماركس ضمن واقع اجتماعي أروربي مغاير لواقع أوروبا أثناء صياغة ماركس للماركسية ).

إذ نجد أنفسنا أمام نوعين من البعدية هي مابعدية فكرية تتمثل في ( ما بعد الفكرة أو الحداثة )، ومابعدية شخصية ( إعادة قراءة للشخص أو لماركس ) ؛ على أن مالك بن نبي يحمل المشروعين ( الفكرة ) كتمثُّل فردي للمشروع الإجتماعي و(الشخص)كرؤية فردية ذاتية، واجتماع المشروعين هي حقيقة إبستيمولوجية ينفرد بها مالك بن نبي وطبيعة مشروعه تتمثل في الوحدة بين البناءين الفوقي والتحتي ضمن مشروع فكري واحد، وهو ما افتقدته التجربة الغربية ومشاريعها الفكرية والفلسفية على إبداعيتها.

فماركس عندما عانى ليترجم الواقع الإجتماعي الأوروبي من أجل العدالة خرّج نقده للمشروع الرأسمالي التي تحولت إلى مشروع سياسي إشتراكي رأينا الأخطاء التي أوقعت المجتمع الأوروبي في نهايات مؤلمة بما خلفته من تعفّنات على مستوى النظم السياسية والقيم الإجتماعية، وهو النظام الذي نقل إلينا فأحدث آلاما مضاعفة لما خلفته في أوروبا لكونها لم تكن موطن المعاناة الماركسي، على أن ماركس كونه حاملا لخلاصة المجتمع الأروربي لم يكن مدركا لخلاصة طبيعة الإجتماع الإنساني عندما قرّر بأنه من الممكن توحيد توزيع الثروة بين الأفراد، أما نقل الخيار الإشتراكي إلينا فقد ضاعف الآلام لعدم التوافق بين الجانبين (الخصوصية الإجتماعية كواقع) و(الطبيعة الإنسانية كنظرية)، وعموما تعد الثغرة الماركسية المتمثلة في عدم إدراكها للطبيعة الإنسانية سببا رئيسا أدى بها إلى ابتكار نظام اجتماعي لا يتجاوب والمتطلبات الفطرية للإنسان، وهو ما أدّى إلى تمفصله عن السيرورة الإجتماعية التي خالها آيلة إلى نهايات هي بالنسبة إليه حتمية.



أما الحداثة كمشروع إجتماعي (وماركس جزء منها) فمنذ انطلاقه وهو يشهد بداخله تطورات مبنية كلها على النفي والتناقضات بسبب إهمالها جانب الطبيعة الإنسانية المتمثل في التمايز المتكامل بين أفراد المجتمع، فالحاضر ينفي الماضي والتجريب ينفي العقلانية والمثالية تنفي الوضعية... الخ، الأمر الذي أدى إلى ولادة علوم بأكملها داخل أطر مدرسية مثل علم الإجتماع الذي ولد بين أحضان المدرسة الوضعية (سبنسر، كونت ودوركايم) وهي المدرسة التي تبتر الزمن لتدرس الظواهر الإجتماعية وكأنها لا توجد إلاّ وحدها في الوجود لتنفي العوامل التاريخية والنفسية والجغرافية والسياسية وغيرها، وعلم اللغة الذي ولد بين أحضان المدرسة البنيوية على يد (السويسري فيرديناند دو سوسير) المدرسة التي تحولت إلى فلسفة تسحق الإنسان الفرد وكأن لاوجود له ولا تراه سوى دمى تحركها أياد خفية لا فعالية لها خارج القانون البنيوي، وهذا طبعا من الناحية الفكرية بوجه عام، وأما ما نسمعه من الديمقراطية والحرية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان فما هي في الحقيقة إلاّ ممارسات وآليات تطبيقية لا تتطابق والمنحى الفكري العام بل ويتناقض معه هدفها حفظ المجتمع من الإنفجار وفق نزعة براغماتية وهو ما يؤكد ما أوردناه بشأن الماركسية حول الفصل بين النظرية والواقع.

فالوحدة البنائية للفكر البنّابي تؤلف في جوهرها بين متابعة سيرورة المجتمع على أساس إدراكه للطبيعة الشرطية الإنسانية واحترامها وكذا إدراك لتكامل العوامل وتظافرها لإنتاج الظواهر الإجتماعية وبين اعتبار مدرسة أو اتجاه على أساس كونه مجرّد مقاربة تحاول معرفة بعد معين من الظواهر المدروسة على اختلافها التخصصي أو المنهجي والموضوعي، أخيرا وكنتيجة تأليف كل ذلك مع وحدة الفكر والممارسة.

فمالك قد مارس دور الأمة الإبراهيمي عكس ماركس الذي مارس دورا معاكسا أسميه بدور(إبراهيم الأمة)، ولو جاز لنا أن نُعمِل فكر بن نبي هنا لقلنا أن ماركس قد وقف وراء المحراث عكس مالك الذي أدرك الموقع الصحيح على اعتبار المحراث يمثل سيرورة المجتمع وبالتالي فعلى المفكر السير والتفكير بحسبها.

فالطرح المابعدبنابي ينأى بشكل آلي عن الطرح المابعد حداثي لكون الروح البنابية مفارقة للروح الحداثية نفسها، ففكرة المابعد نفسها تطرح كنتاج واقعي يتحول إلى نتاج نظري ومعرفي تقوم بتوجيهه الوجهة التي تراها سليمة.

وهو الأمر الذي لايخول لنا الحديث عن ملامح الممارسة ما بعد البنابية فهي ملامح ستتحدد بالتعين الواقعي لها أولا ؛ إلاّ بما هو إستقراء نظري لمابعد بنابية كممارسة ثقافية وهو ما سنكرس له المبحث الموالي.

2- الممارسة الثقافية مابعد البنابية
إن الحديث عن مرحلة ما بعد مالك بن نبي لا تعني تكرار المرورث الفكري البنابي ولا حتى استعمال مفاهيمه كأدوات تحليلية ولا الحديث عن ابتكارات وإبداعته ولا قراءتها ضمن ظروف مستجدة !؟

فالممارسة المابعدبنابية تقتضي أول ما تقتضي الإستيعاب النظري للمنهج المعرفي الذي صدر عن بن نبي، مما لايعني ضرورة الإطلاع على منتوجه الفكري الخاص به، بما يمنح هذا الإستيعاب لصاحبه قدرة على التحليل والإبداع بأكثر من القدرة البنابية نفسها !! وإمكانية استيعاب مالك فكريا من غير قراءة تراثه بغض النظر عن المصدر الآخر الذي يمكن من استيعاب الفكر البنابي، وهو من زاوية معينة تفسير للفكر البنابي نفسه.

فمفاهيم من قبيل القابلية للإستعمار، الفعالية، وعالم الأفكار والحضارة إنما هي صياغة بنابية للحقيقة الواقعة التي عايشها بن نبي والتي توصل إليها بعد معاناته من أجل اكتشافها سواء كان ذلك بعمق تحليلي باستعاناته بمناهج العلوم الإنسانية أو نموذج توجيهي باستعانته بالقرآن، وبالتالي فالممارسة مابعد البنابية تنطوي على استيعاب ضمني غير مصرح به للمفاهيم البنابية وهو ما يفترض أن النسق المفاهيمي البنابي هو نسق مؤتلف في إطار وحدة عضوية لا تتجزأ ولاتنفصل مفاهيمها عن بعضها البعض والواحد منها يتوافق مع باقي المفاهيم، سواء من الناحية الوظيفية بحيث يمكن توظيفها في إطار تحليلي مؤتلف ؛ أو من الناحية البنيوية من حيث تشكيلها في النهاية لنسق نظري واحد.
أما الأعمال الكثيرة التي حاولت أن تقرأ مالكا ونذكر منها ( في بناء النظرية الإجتماعية لنورة خالد السعد، مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا لأسعد السحمراني وغيرهما كثير ) وعلى عمقها التحليلي ورصانتها الفكرية لا تعد ضمن الممارسة مابعد البنابية لكونها قامت بعرض لأفكاره دون تجاوز منهجي ؛ ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون مؤسسة لها بالإعتبار التاريخي للتالي ما بعد البنابي وكذا للحالة الفكرية الراهنة التي خرجت ضمنها.

كما أن المشاريع الفكرية المنجزة في العالم العربي ونذكر منها ( نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري، من العقيدة إلى الثورة لحسن حنفي ومشروع الماركسية الموضوعية لعبد الله العروي ) لا تدخل كذلك كممارسة مشاريعية ما بعدبنابية على غزارتها المعرفية وفذاذة تحاليلها لكونها لا تستلهم المنهج المعرفي البنابي وركونها إلى المرجعيات المستعارة باعتبار ( مشكلات الحضارة ) " مشروعا ثقافيا ".

كما أن البنابي الأول وهو المفكّر السوري جودت سعيد فتأتي إسهاماته المفتوحة (على بساطتها وتواضعها الفكري ) كواسطة بين البنابية وما بعدها لما لها من قدرة فكرية إستشعارية للمستقبل الفكري خاصة في سلسلة مؤلفاته " أبحاث في سنن تغيير النفس والمجتمع " وكتاب كن كابن آدم، فمن جهة كونه بنابيا بإرتباطه بالنسق المفاهيمي البنابي وأفكاره الكبرى خاصة القابلية للإستعمار، وأما من حيث كونه ما بعدبنابي هو تواضعه الفكري وتشجيعه الشباب على الإبداع.

فالمممارسة مابعدالبنابية تقتضي إنتاج أنساق نظرية تستلهم الروح البنابية في تحاليلها وعمقها وكذا الغوص في القضايا محل المعالجة والبحث والتفكير فيها بالمستوى الزمني الذي تطرح نفسها به مختلف تمام الإختلاف عن المرحلة الزمنية لمالك وهي مرحلة (مابعدمالك) مفتوحة على التعقد والتشابك النوعي والكمي معا.

فهي ليست أي إبداع ولا أي استلهام، فهو إنتاج ينطلق لا من همّ ثقافي مجرد بل من استشعار ذاتي للأزمة الحضارية (= الثقافية الأخلاقية) للإنسان المعاصر أو كما يعبر عنه بالقلق المعرفي، فالقضية لاتنتهي في حدود التفكير المجرّد والإحساس بوجود هوة ثقافية بيننا وبين "الغرب" تتمثل في الحاجة إلى عهد أنواري عربي إسلامي (مشروع حداثة) وجب العمل على إنباته دون توفر ظروف وضرورة اجتماعية يكون إقامة مشروع معرفي يوجهها كما حدث في الغرب ذاته، أو من الجهة المقابلة هو سعي لإحياء أفكار تستشعر أهميتها والبقاء في فلكها إلى درجة الإنقلاب عليها نفسها؛ فهي مجتمعة إن تخلصت من الإبتذال فحتما ستقع في آفة التسييس الذي يجهد صاحبه فيه نفسه من أجل الترويج لأمر في نفسه وهو ما ينسحب على كل ممارسته الثقافية، فتصبح بذلك غالقة على نفسها أبواب المعرفية للدخول في سجن الأدلجات المظلم !!

وهو ما يجعل صدرها لا يتسع حتى لنقد ذاتها.
أما الممارسة المابعدبنابية الأصيلة فتنتهج ممارسة ثقافية نابعة من أصالة الأزمة المعرفية المعاصرة والتي تندرج البشرية قاطبة داخلها، تنطبع في نفس ممارسها إذ يرتبط فيها انشغاله الثقافي بانشغاله الأخلاقي على اعتبار أن الثقافة ليست ترفا ولا متعة عقلية وإنما باعتبارها تكليف إلهي !!

المثقف وممارسته... الكاتب نموذجا
فمعنى ارتباط الثقافي بالأخلاقي عند الكاتب هو تفاعل وجداني ونفسي عميق بينه وبين نصوصه إلى درجة يصبح فيها النص مجالا يقوم فيه الكاتب باكتشاف ذاته داخله نقدا وتحليلا وتطويرا وكذا إعادة اكتشاف، وهذا من خلال معالجته للقضايا التي تكون المجال الخصب لإنتاج النسق النظري الخاص به وزيادة على ضرورة التميّز التخصصي فهو كذلك يقتضي تميزا رؤيويا (التخصص في زاوية المعالجة)، لتتحقق في المعالجة ( إضافة إلى ترقي الكاتب الأخلاقي باعتبار النص مجالا لاكتشاف الذات ) فائدتان تزدادن قيمة بازدياد العمق في معالجة القضايا :

1- التعمق في معالجة القضية بما يحقق كشف الحقائق الخفية داخلها بملاحقة أقصى المكونات الثاوية داخلها.
2- تطوير النسق المعرفي والجهاز النظري المعتمد في تحليل القضايا سواء التخصصي أو الرؤيوي.
فوهمٌ أن يعتقد الكاتب أن النص ( أو المثقف عموما بالنسبة لممارسته ) مجال لعرض يقينياته ومسلماته أو حتى توصلاته وفتوحاته الثقافية، فلو كانت الممارسة الثقافية تنتهي وتقف عند ذلك لكانت الثقافة مهنة يمارسها التجار أو من هم على شاكلتهم!! (على أننا لانسلم أن المهن والتجارة محصورة فقط في التكرار الذي لا إبداع فيه) ؛ فهنا الفرق بين الممارسة الثقافية الرّسالية وباقي الممارسات الثقافية الأخرى... وهنا أيضا الحد الفاصل بين الممارسة المابعدبنابية التي هي الممارسة الجامعة بين المعرفة المتخلّقة المؤسسة للثقافة الرفيعة وبين الممارسات الثقافية الأخرى.

فنص ما بعد البنابية لا يجب أن يكون مرتبطا ببن نبي وأفكاره، إنه درجة أرقى من النص البنابي نفسه، لالا... ليس هذا تقليلا من قيمة مالك الفكرية ولا الشخصية لكنها مرحلة لا يجب أن يرتبط ذهننا فيها بأفكار شاخصة حتى لو كانت فكرة ما بعدالبنابية نفسها، فإذا كان النص البنابي نصا كاشفا فإن النص مابعد البنابي إكتشافي، والكشف والإكتشاف من مصدر واحد هو (كشف) والكشف هو رؤية الحقيقة بعد خفائها، وإجمالا فإن سيرورة الزمن هي نفسها سيرورة الإنسان نحو كمالاته الخلاقة كخليفة لله على الأرض.

إن ما بعد البنابية تعلمنا ألاّ نرتاح ككتاب نصوص ولا أن يرتاح القارئ فيها، فالثبات لديها هو التغير فالحقائق الثابتة لديها لا تتشيء عند أشخاص ولا أفكار ولاحتى معاني بل وحتى قيم، فالحقائق ما بعد البنابية هي التحوّل من حال إلى حال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

3- مثال تطبيقي للمرحلة مابعدالبنابية
معادلة التخلف والعولمة أو المعادلة البديلة للحضارة الإنسانية الراهنة :
يعيش الإنسان المعاصر واقعا يتكون من عنصرين متشابكين ومتآلفين في نفس الوقت، إلى درجة أنهما يشكلان معا كتلة واحدة يصعب التمييز بينهما إلا للمتأمل في عمق التحـولات (التقنية - العلمية) و(الثقافية- السياسية) هما التخلف والعولمة وهذه الوحدة المركبة في مفهومها المختزل إلى معادلة رياضية هي كالتالي :
[ التخلف = الحق – الواجب ] + [ العولمة = الكل التقني + الكل البشري ]

ولا يخفى أن معادلة التخلف هي من إبداع بنابي صرف، ولا تحتاج إلى بيان تفصيلي إلا بما يزيل غموض التعرف إليها، فهي إجمالا تعني توهم الإنسان حصوله على حقوقه بالمطالبة بها دون أداء لواجباته التي لو أداها لأتته حقوقه دون المطالبة بها، وهو ما يرتبط بمعادلة العولمة بما هي اجتماع لعلوم تطبيقية متعددة لاحدود لها بالمجتمع الإنساني بما يكونه من كل حضاري منقسم إلى مجتمعات شاملة تنقسم بدورها إلى مجتمعات محلية.

خصائصها : التعقد المركب والتشابك المستعصي فلو قمنا بتجزئته إلى جزيئات صغيرة وقمنا بدراستها كل على حدى لما تسنى لنا الإلمام الكلي بها.

وأعتقد أن هذا المدخل ( المعادلة ) هو مدخل متكامل يمكِّن لطارقه النفاذ إلى عمق الأزمة الإنسانية الراهنة والحفر في أصولها والإيغال في حقائها وهذا بقدر استيعابه للمعادلة نفسها.

فأما التخلف العام الذي يشهده العالم فينطوي بمجمله داخله على اعتبارين اثنين هما :
1- تخلف الإنسان في كليته الوجودية (أخلاقيا وصناعيا)، وهو اعتبار مبني على مسلمة مفادها أن خلاص البشرية المعرفي والحضاري موجود في الإسلام كوحي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبالتالي فإن الأولى بمعرفته هم أهله (المسلمون).
2- تخلف البشر جميعهم في مجال الجانب الأخلاقي (معرفيا وحضاريا).
إذن فالتخلف لم يعد قاصرا على المسلمين بل صار ينسحب على الوجود البشري جميعه على اختلاف نوعه ودرجته، وهذا التشميل لمفهوم للتخلف أملاه تطور الصناعة التكنولوجية إلى ما هي عليه اليوم سواء كان ذلك عن طريق نقله إلينا مثل الإعلام أو الإسهام فيه بشكل مباشر تكنولوجيا الحرب مثلا، أي أنه قد منح لنا هذا التطور شروط وأسباب إستيعاب وإدراك ذلك، إذن فمن خلال التخلف عثرنا على مفهوم العولمة الأمر الذي يؤكد افتراضنا السابق حول قوة ترابط العنصرين.

وأما العولمة بما هي تشميل للتكنولوجيا على البشر أو العكس بما يدل على اسمها (العولمة= على وزن قولبة) فيراد لها أن تعمم (بفتح الميم) كصيغة سلعية تقدم للإستهلاك، من الزاوية الأيديولوجية ؛ فالنزوع الإكراهي لتسويغ فكرة العولمة ومحاولة زرع جذورها في كلّ بقاع العالم بالقوة والإجبار يبين مدى التخلف الأخلاقي لأسياد العولمة الذين يمارسون عملا ينافي التحكم في القوانين الطبيعية بما هي سنن إلهية؛ وهو ما يكشف من الجانب الآخر عثورنا على مفهوم (التخلف) في صميم تحليلنا للعولمة كمفهوم، إذ أنها لا تعدو أن تكون مطالبة بحقوق هي ليست أصلا من الحقوق الشرعية فهو (حق اغتصاب الحقوق الذي يستتبعه أداء واجب غير شرعي)، والإستعمار بنموذجيه التقليدي والحديث أحسن مثال على ذلك، وهوتخلف مركب لأن التخلف البسيط والذي أسسه مفهوميا مالك بن نبي إنما هو المطالبة بالحق الشرعي الذي يقتضي أداء واجب شرعي.

والنتيجة الأكيدة في كل ذلك هي أن التخلف لم يتعمم إكراها، أما العولمة فقد تعممت إكراها، ومنه فإن التخلف بغض النظر عن كونه ظاهرة سلبية أو غير ذلك فهو سلوك أو ظاهرة أصيلة في الإنسان، ولا يجب أن نفكر في نموذج بديل بقدر ما يجب التخلص من السلبية في السلوك الإنساني الواقعي المباشر لأن مجرد التفكير في نموذج بديل فذلك يقودنا إلى التعميم الإكراهي الذي سقط فيه أرباب العولمة.

كما أن نموذج العولمة الإكراهي يلعب دور المكرّس والضامن لاستمرار ما هو موجود من ثقافة ومؤسسات قديمة إذ تعطيها حُللاً جديدة ذا بريق لامع جذاب يغري الناظرين إليه حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئا ووجدوا فيه قدما أصيلا وخداعا ماكرا؛ والأدهى من ذلك أن المخدوع لايشعر بالخداع الذي مورس عليه بفعل تخلفه (سواء الأخلاقي منه أو الصناعي أومعا) فيزداد الإنسان تخلفا على تخلف مركب.

وعلى ذلك فالعولمة لم تعد تعالج الأزمة التي كان يفترض أنها جاءت من أجل تخليص الإنسان منها وهي أزمة الإنغلاق بحكم أنها تحمل في ماهيتها روح التعارف والإنفتاح وأسباب إزالة الإنغلاق المادية من تكنولوجيا متطورة وعلوم تطبيقية عالمية لاحدود لها، لكن يبدو أن أسياد العولمة نجحوا في إفراغ العولمة من ماهيتها الحقيقية فصارت أسبابها المادية ماهية العولمة والتي صار لها الإنسان يؤدي جهده من أجل تحصيلها.

فكل هذا يصب في وعاء التعقد والإستشكال المستعصي لنموذج (التخلف + العولمة) الذي يطبع العالم المعاصر، ولهذا جاء تحليلنا جامعا للمشهد الحضاري الإنساني على تمايزاته الجمة واختلافاته اللامحدودة.

المصدر: موقع الشهاب



1 يمكن التواصل مع الكاتب على البريد الالكتروني التالي: mohammedbgh@maktoob.com
2 أعتمد في بداية التفكير لإنجاز هذا البحث على حوار أجري مع الأستاذ الكيبكي (كندا) نورثروب فراي، من كتاب النقد والمجتمع ويتكون من عدة حوارات مع عدة أساتذة.


شارك :